Dr Saheed Timeyin
حلول مستمدة من الإيمان للتحديات العالمية: بناء عالم عادل ومسالم ومستدام من خلال القيم الروحية المشتركة
مقدمة
إنه لشرف ومسؤولية جسيمة أن أتحدث أمام هذا الجمع الموقر حول موضوع يقع في صميم إنسانيتنا المشتركة: الحلول المستمدة من الإيمان للتحديات العالمية
لقد استهل الخليفة الرابع للمؤسس المقدس للجماعة الإسلامية الأحمدية، حضرة ميرزا طاهر أحمد، مؤلَّفه القيّم رد الإسلام على القضايا المعاصرة بالكلمات التالية
إن أهم داء يعاني منه العالم اليوم هو غياب السلام. ففي العالم المعاصر، بلغ الإنسان بشكل عام مستوىً عالياً من الإنجاز في التقدم المادي، بفضل تطور العلوم والتكنولوجيا بوتيرة مذهلة شملت كافة مجالات الاحتياجات البشرية
ولا شك أن الفئات الأكثر حظاً في المجتمع البشري المعروفة بالعالمين الأول والثاني تحظى بنصيب أكبر بكثير من ثمار التقدم العلمي في العصر الحديث، إلا أن العالم الثالث قد استفاد أيضاً إلى حد ما
لقد اخترقت أشعة التقدم حتى أعمق زوايا المناطق الأكثر تخلفاً وظلمة، حيث لا تزال فئة من المجتمع البشري تعيش في ماضٍ سحيق. ومع ذلك، فإن الإنسان ليس سعيداً ولا راضياً؛ إذ يسود شعور متزايد بالقلق والاضطراب والخوف والهواجس وانعدام الثقة في المستقبل وعدم الرضا عن الموروث الثقافي
تلك هي بعض العناصر الهامة التي تشكل تحدياً لطبيعة العالم المعاصر. وهذا بدوره يولد شعوراً عميقاً بعدم الرضا لدى الإنسان تجاه ماضيه أو حاضره؛ وهو شعور يتجذر بشكل خاص في عمليات التفكير وتكوين الوعي لدى جيل الشباب. إن الإنسان في رحلة بحث دائم عن السلام
يضعنا القرن الحادي والعشرون أمام تضافر غير مسبوق للتحديات؛ إذ لا تزال الحروب -بمختلف أبعادها- تدمر المجتمعات، وتتسبب في نزوح الملايين، وتخلف ندوباً جسدية ونفسية عميقة
لقد بلغ التفاوت الاقتصادي مستويات تهدد التماسك الاجتماعي، حيث تتكدس الثروات الطائلة جنباً إلى جنب مع حرمان مستمر. كما يهدد تغير المناخ بشكل متزايد النظم البيئية والأمن الغذائي والفئات السكانية الأكثر ضعفاً، في حين يعاني ملايين الشباب من البطالة وحالة عدم اليقين والبحث عن غاية وهدف للحياة. تَعِدُ الإنجازات التكنولوجية الحديثة -مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والمنصات الرقمية- بتحقيق تقدم هائل، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات أخلاقية عميقة تتعلق بالخصوصية والعدالة والمساءلة والكرامة الإنسانية. ولا يزال التطرف الديني يشوه التعاليم المقدسة، كما يمزق الاستقطاب السياسي نسيج المجتمعات، ويُضعف الفسادُ المؤسساتِ العامة، وتواجه الأسر ضغوطاً متزايدة، وتؤثر قضايا الصحة النفسية على الناس في جميع القارات
وتُعد الهجرة -سواء كانت مدفوعة بالصراعات أو التغيرات البيئية أو الضرورات الاقتصادية- اختباراً لمدى تعاطف الأمم وقدرتها على الصمود وتُذكّرنا هذه الحقائق بأن العديد من أكبر التحديات التي تواجه البشرية مترابطة فيما بينها، ولا يمكن حلها بمجرد تدخلات تقنية منعزلة
ما وراء التكنولوجيا: العجز الأخلاقي
يُثبت التاريخ أن التقدم التكنولوجي لا يؤدي تلقائياً إلى تقدم أخلاقي؛ فقد أظهر التاريخ الحديث أن الاكتشافات العلمية ذاتها التي تُستخدم لعلاج الأمراض يمكن تحويلها إلى أسلحة، وأن التقنيات الرقمية التي تربط بين أفراد الأسرة يمكنها أيضاً نشر الكراهية والمعلومات المضللة
كما أن الذكاء الاصطناعي الذي يمتلك القدرة على تحسين الرعاية الصحية والتعليم والإنتاجية- يمكن أن يعزز الظلم أو التمييز أو الاستغلال في غياب التوجيه الأخلاقي
إن المعرفة بحد ذاتها لا تحدد كيفية استخدام السلطة؛ فالسمات الشخصية هي التي توجه المعرفة، والضمير هو الذي يضبط السلطة، والحكمة هي التي تمنح الذكاء غايته وهدفه. ويُنسب إلى ألبرت أينشتاين قوله
لقد أصبح من الواضح بشكل مروع أن تكنولوجيتنا قد فاقت إنسانيتنا
وسواء قيلت هذه العبارة بتلك الكلمات الدقيقة أم لا، فإنها تعبر عن حقيقة يدركها بشكل متزايد العلماء وصناع السياسات والقادة الدينيون على حد سواء: وهي أن الحاجة الأكثر إلحاحاً للبشرية ليست مجرد امتلاك قدرات أكبر، بل تحمل مسؤولية أخلاقية أعظم
لقد أكدت التقاليد الإيمانية طويلاً على أن التقدم الحقيقي يجب أن يجمع بين الإنجاز الفكري والتكوين الأخلاقي. ونحن نجتمع اليوم في لحظة استثنائية من تاريخ البشرية؛ فلم يسبق للبشرية أن امتلكت مثل هذه المعرفة العلمية المذهلة من قبل
ولم يسبق لنا أن صنعنا آلات قادرة على التعلم والاستنتاج والترجمة وتشخيص الأمراض، بل والمساعدة في المساعي الإبداعية. ولم يسبق أن انتقلت المعلومات حول العالم في أجزاء من الألف من الثانية
ولم يسبق أن بلغنا هذه المستويات المتقدمة في الطب والهندسة والنقل والزراعة والاتصالات الرقمية
ومع ذلك، ومن المفارقات العجيبة، لم يسبق أن شعر هذا العدد الكبير من الناس بالوحدة، ولم يسبق أن انتشر القلق بهذا الشكل الواسع، ولم يسبق أن كانت المجتمعات مترابطة تكنولوجياً ومفككة عاطفياً في آن واحد، ولم يسبق أن أنتجت البشرية كل هذه الثروة بينما تركت الملايين عالقين في براثن الفقر المدقع
