Professor Saheed Timeyin
يا للروعة، لقد عاد شهر مولده من جديد إنه الشهر الذي استقبل أعظم أنوار الله في هذا العالم، والشهر الذي فتح قلب البشرية لبلوغ كمال النضج الأخلاقي والروحي، والشهر الذي شهد ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم، حامل الرسالة الإلهية الخاتمة؛ إنه شهر ربيع الأول
لم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) مجرد شخص عادي، بل كان ظاهرة استثنائية. ومن أبرز سمات شخصيته المباركة ذلك التوازن الفريد بين طبيعته البشرية ومهمته الإلهية؛ فقد كان بشراً سوياً، لم يدّعِ الألوهية قط، ومع ذلك كان القناة التي تجلت عبرها الإرادة الإلهية على الأرض
يقول القرآن الكريم
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ
(القرآن الكريم، سورة الكهف: 110)
لقد عاش حياة بشرية كحياتنا؛ فأكل ونام وتزوج، وعانى من الحزن والتعب والمرض والجراح، وذرفت عيناه الدموع. ومع ذلك، كانت حياته البشرية هذه فريدة من نوعها؛ فلم تكن فرادته نابعة من تخليه عن بشريته، بل من كونه ضرب مثالاً حياً لكيفية بلوغ الإنسان أقصى درجات الكمال الأخلاقي والروحي
لقد حملت كل تفاصيل حياته علامات ودلالات المعجزة، غير أن أعظم معجزاته لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت كتاباً منح البشرية أعظم الحضارات
عندما نتحدث عن معجزات النبي (صلى الله عليه وسلم)، غالباً ما نذكر معجزة انشقاق القمر. لكن من أكثر العلامات التي يُغفل عنها تلك التي تجلت في شخصيته ورسالته؛ إنها معجزة تحويل الأفراد إلى مجتمع متماسك، والقبائل المتناحرة إلى إخوة متحابين، والأعداء إلى رفاق، والعبيد إلى أفراد محترمين في المجتمع، والثقافة الشفهية إلى حضارة قائمة على المعرفة، وتوحيد شتات الناس في أمة تحمل رسالة أخلاقية سامية
وقد صوّر القرآن الكريم هذا التحول بقوله
وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا
(القرآن الكريم، سورة آل عمران: 103)
لقد بلغ سموه الأخلاقي مبلغاً عظيماً جعل حتى أعداءه أقوى الشهود على عظمة شخصيته؛ وهذا جانب مثير للإعجاب بشكل خاص. فقبل بعثته النبوية، عُرف بين قومه بلقب الصادق الأمين
حتى الكثير ممن عارضوا رسالته لم ينجحوا في اتهامه بالكذب قبل بدء دعوته. عندما سأل هرقل، إمبراطور الروم، أبا سفيان عن النبي، استفسر عما إذا كانوا قد عهدوا عليه الكذب قبل ادعائه النبوة، فأقر أبو سفيان بأنهم لم يعهدوا عليه ذلك قط

وهذا يرسخ مبدأً مهماً وقوياً: لقد سبقت مصداقيةُ الرسولِ الرسالةَ نفسَها؛ إذ ملك القلوب قبل أن يفتح الأراضي
غالباً ما يُصوَّر النبي (صلى الله عليه وسلم) في التاريخ العسكري من خلال المعارك والتوسع السياسي، غير أن ذلك قد يحجب جانباً أعمق بكثير؛ فأعظم انتصاراته كانت انتصاراتٍ أخلاقية
لقد وقف أمام قومٍ اضطهدوه وأتباعه، وأخرجوه وحاربوه، وقتلوا ومثّلوا بجثث الكثيرين ممن أحبوه؛ وذلك حين فُتحت مكة. ومع ذلك، لم يحوّل النصر إلى مهرجانٍ للانتقام، ولم يُعِدْ تجسيد مشاهد المجازر الدموية المروعة التي طالما تفاخر بها المنتصرون، بل أعلن قائلاً: أنتم الطلقاء؛ لا تثريب عليكم اليوم
وهذا أحد الأسباب التي تجعل فتحه لمكة حدثاً متميزاً من الناحية الأخلاقية؛ فقد أثبت أن القوة تزداد جمالاً حين تضبطها الرحمة، وقد شملت رحمته حتى أولئك الذين رفضوه واضطهدوه
وقد وصفه الله تعالى بقوله
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]
لاحظ أن القرآن لم يقل رحمةً للمسلمين ، بل قال: للعالمين ؛ أي للكون بأسره
لقد شملت رحمته البشر والحيوانات والأطفال والفقراء والخدم والأسرى، وحتى خصومه؛ فلم يكن همه الأكبر الحفاظ على إرثه الشخصي، بل خلاص الآخرين. وهذا جانبٌ يبعث على التأثر العميق في شخصيته؛ فقد كان دائم الاهتمام بأمر من رفضوه، حتى خاطبه الله قائلاً
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]
لم يكن يسعى لمجرد الانتصار في جدال، بل كان يصبو إلى ربط الناس بخالقهم
لقد كانت شخصيته مزيجاً بديعاً من صفاتٍ قد تبدو متناقضة، لكنها اجتمعت في تناغمٍ رائع؛ وتتجلى فرادته في ذلك التوازن الاستثنائي في شخصيته؛ فقد كان قوياً ولطيفاً في آنٍ واحد، مهيباً ومتواضعاً، ورجل دولةٍ متاحاً لعامة الناس. لقد كان محاربًا يشهر سيف الرحمة، وزوجًا مُحبًا وقائدًا حانيًا لأمته؛ ومعلمًا روحيًا يتسم بواقعية عميقة، وعابدًا متنسكًا منخرطًا بفاعلية في المجتمع، وصاحب رؤية ثاقبة يولي اهتمامًا دقيقًا بأصغر التفاصيل. ويُعد هذا التوازن أحد أكثر جوانب سنته تعقيدًا ومحاكاةً
لم يكتفِ بالدعوة إلى المساواة فحسب، بل جسّدها في واقعٍ ملموس؛ فكان بلال عبدًا حبشيًا سابقًا، وكان صهيب روميًا، وسلمان فارسيًا. لقد جاء الصحابة من قبائل وطبقات وخلفيات شتى، ومع ذلك، أسس النبي مجتمعًا صار فيه الإيمان والتقوى -لا العرق أو الثروة أو النسب القبلي هما معيار الكرامة
